السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
811
مختصر الميزان في تفسير القرآن
لا يتجاوزوا حدود ما أنزله اللّه وبيّنه في كتبه ، ومما بيّنه أن لا يقولوا عليه الا الحق . وربما أمكن أن يكون خطابا لليهود والنصارى جميعا ، فإن اليهود أيضا كالنصارى في غلوهم في الدين ، وقولهم على اللّه غير الحق ، كما قال تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ( التوبة / 30 ) ، وقال تعالى : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ( التوبة / 31 ) ، وقال تعالى : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ - إلى أن قال - وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ( آل عمران / 64 ) . وعلى هذا فقوله « إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ » الخ ؛ تخصيص في الخطاب بعد التعميم أخذا بتكليف طائفة من المخاطبين بما يخص بهم . هذا ، لكن يبعده أن ظاهر السياق كون قوله « إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ » ، تعليلا لقوله « لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ » ، ولازمه اختصاص الخطاب بالنصارى وقوله « إِنَّمَا الْمَسِيحُ » أي المبارك « عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ » تصريح بالاسم واسم الام ليكون أبعد من التفسير والتأويل بأي معنى مغاير ، وليكون دليلا على كونه انسانا مخلوقا كأي انسان ذي أم . « كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ » تفسير لمعنى الكلمة ، فإنه كلمة « كن » التي ألقيت إلى مريم البتول ، لم يعمل في تكونه الأسباب العادية كالنكاح والأب ، قال تعالى : إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( آل عمران / 47 ) فكل شيء كلمة له تعالى غير أن سائر الأشياء مختلطة بالأسباب العادية ، والذي اختص لأجله عيسى عليه السّلام بوقوع اسم الكلمة هو فقدانه بعض الأسباب العادية في تولده « وَرُوحٌ مِنْهُ » والروح من الامر ، قال تعالى : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ( الإسراء / 85 ) ولما كان عيسى عليه السّلام كلمة « كن » التكوينية وهي أمر فهو روح . وقد تقدم البحث عن الآية في الكلام على خلقة المسيح في الجزء الثالث من هذا الكتاب . قوله تعالى : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ تفريع على صدر الكلام بما أنه معلل بقوله : « إِنَّمَا الْمَسِيحُ » الخ ؛ أي فإذا كان كذلك